محمد سعيد رمضان البوطي
172
فقه السيرة ( البوطي )
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) [ الأنفال : 7 ] . 2 - وعندما نتأمل كيف يجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أصحابه ليشاورهم في الأمر الذي فوجئوا به بعد أن أفلت منهم العير وطلع عليهم النفير العظيم المدجج بالسلاح الكامل ، نقف على دلالتين شرعيتين لكل منهما أهمية بالغة : الدلالة الأولى : التزامه صلى اللّه عليه وسلم بمبدأ التشاور مع أصحابه ، وإذا استعرضنا حياته صلى اللّه عليه وسلم ، وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمر لا نص فيه من كلام اللّه تعالى ، مما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية ، ومن أجل هذا أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت فيه نص ملزم فيه من كتاب أو سنة ، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله ، أما ما ثبت فيه نص من الكتاب أو حديث من السنة أبرم به الرسول صلى اللّه عليه وسلم حكمه ، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضي عليه بأيّ سلطان . الدلالة الثانية : خضوع حالات الغزو والمعاهدات والصلح بين المسلمين وغيرهم لما يسمى بالسياسة الشرعية أو ما يسميه بعضهم ب « حكم الإمامة » ، وبيان ذلك : أن مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل ، حكم تبليغي لا يخضع لأي نسخ أو تبديل ، كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله أو اجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية ، غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة لذلك ، تخضع لظروف الزمان والمكان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم ، والميزان المحكم في ذلك إنما هو بصيرة الإمام المتدين العادل وسياسة الحاكم المتبحر في أحكام الدين مع إخلاص في الدين وتجرد في القصد ، إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وآرائهم المختلفة . فإذا رأى الحاكم أنّ من الخير للمسلمين أن لا يجابهوا أعدائهم بالحرب والقوة ، وتثبّت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة في ذلك ، فله أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصا من النصوص الشرعية الثابتة ، ريثما يأتي الظرف المناسب والملائم للقتال والجهاد ، وله أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة الشرعية السليمة في ذلك الجانب . وهذا ما اتفق عليه عامة الفقهاء ودلت عليه مشاهد كثيرة من سيرته صلى اللّه عليه وسلم اللّهم إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دارهم وبلادهم ، فإن عليهم دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة